أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

378

شرح مقامات الحريري

وذكر ابن الكلبيّ أنها امرأة من خزاعة كانت تبيع العطر فتطيّب بعطرها قوم وتحالفوا على الموت ، فماتوا . وقال غيره : بل هي صاحبة يسار الكواعب ، وكان عبدا أسود مشوّه الخلقة راعي إبل ، فمتى رأته النساء ضحكن منه ، فتوهّم أنهنّ يضحكن من إعجابهنّ بحسنه ، فقال يوما لرفيق له : أنا يسار الكواعب ، ما رأتني جارية كاعب إلا وعشقتني ، فقال له رفيقه : يا يسار ، اشرب لبن العشار ، وكل لحم الحوار ، وإياك وبنات الأحرار ، فأبى وراود مولاته عن نفسها ، فقالت له : مكانك حتى آتيك بطيب أشمك إياه ، فأتته بموسى ، فلما أدنى أنفه ليشمّ الطيب جدعته . ويقال إنه لما راودها قالت له : أهكذا تأتيني بذفرك ووسخك ! ادن حتى أعطّرك ، فأدخلت يدها تحته وفيها موسى لطيفة قد أعدّتها له ، فقبضت على ذكره وخصيته ، فاقتطعت الجميع ، فخرج فمن رآه على تلك الحالة قال له : ما هذا ؟ فيقول : عطر من شمّ . وقيل : كانت تبيع الحنوط وهو عطر الموتى . وقيل : المنشم : الشر نفسه ، وقيل : المنشم ثمرة سوداء منتنة . وقيل فيها غير ما ذكر . وذكر الحريري في الدرة أكثر هذه الوجوه ، وذكر أن كسر شين منشم أكثر وأشهر ويروى بفتحها . قوله المتائيم : جمع متئم ، وهي التي من عادتها أن تلد توأمين ، ولما كانت أبياته لا يوجد فيها إلا الألفاظ المزدوجة ، سمّيت متائيم ، وقيل : المتائيم : جمع توأم على غير قياس . المشائيم : جمع مشئام ، وهو الكثير الشؤم ، وشبّه بدرّة غواص في بياضه ورقة ديباجه . وجؤذر قناص ، هو الظبي الفاتر العينين ، والقنّاص : الصياد ، فكأنه يصطاد بعينيه من نظر ، وإن أضفت جؤذر إلى القناص فمعناه مستقيم ، فيصفه بالخوف وكثرة التلفّت خشية أن يصاد . وما أحسن ما قال صاحبنا الوزير الحسيب أبو المطرّف الزّهري في هذا المعنى وكان جالسا في باب داره مع زائر له ، فخرجت عليهما من زقاق جارية سافرة الوجه كالشمس الطالعة ، فحين نظرتهما على غفلة نفرت خجلة فزعة ، فرأى الزائر ما أبهته ، فكلّفه وصفها ، فقال مرتجلا : [ البسيط ] يا ظبية نفرت والقلب مسكنها * خوفا لختلي أو عمدا لتعذيبي لتأمني فابن عبد الحيّ ألحقنا * عدلا يؤلف بين الظبي والذيب وكأن ابن رشيق وصف هذا الغلام الكاتب حيث قال : [ السريع ] وفاتر الأجفان ذي وجنة * كأنها في الحسن ورد الرّياض قلت له : يا ظبي خذ مهجتي * داوي بها تلك الجفون المراض فجاوبت من خدّه خجلة * كيف ترى الحمرة فوق البياض